|
بعد أن انتشرت المحطات الفضائية انتشاراً كبيراً ، وأصبحت تستقطب أعدادً كثيرة من المشاهدين ، وأصبح التلفاز يشاهد بالليل أكثر من النهار بحكم أن الناس في أعمالهم ، والطلبة في مدارسهم ، ولكن عندما يأتي المساء تتحلق الأسر من الفئات العمرية جميعها حول ذلك الجهاز حتى يستمتعوا بالبرامج المنوعة في الوقت الذي يكون فيه الكتاب مهجورا ، بل لا يلتفت إليه أحد ، علماً بأن فيه الفوائد كلها ، ومن هنا جاءتني فكرة تلك التجربة وهي : أن أقوم برفع جهاز التلفاز من البيت نهائياً ولمدة ثلاثين يوماً فقط على أن يتبع ذلك إدخال الكتاب عليهم تدريجياً ، فلعلهم يتفحصوه أو يقلبوا صفحاته على الأقل في أول مرة . فجمعت أولادي وأخبرتهم بأن قراري هذا نهائي ولن أتراجع عنه بأي حال من الأحوال ، فاعترض أكبرهم قائلاُ : إن هناك مسلسلات أتابعها وهي مشوقة فلا تحرمني من مشاهدتها ، وقال الآخر : إن المحطات تعرض الأفلام الأجنبية والعربية وأنا مغرم بها ، وقالت البنت : المسلسلات العربية يا أبي تستهويني ولا أستغني عن مشاهدتها أبداً ، وهكذا تعددت وجهات النظر والآراء ، ولكنني في الحقيقة كنت سعيداً بسماع ورؤية أثر تعلقهم بتلك الشاشة الملونة ، حتى تنجح تجربتي وتؤتي ثمارها الطيبة . بدأت التجربة وفي أول ليلة خيم السكون والهدوء على المنزل ، وأصبح كأنه بيت الأشباح مع عبوس بالوجوه وفراغ كبير وعصبية شديدة ، وفي الليلة التالية خفت حدة الوضع قليلاً ، فكان الهدوء سائداً وفي الوقت نفسه قد خفت حدة العصبية وبدأت بوادر الحوار والنقاش تظهر بين الإخوة ، أما في الليلة الثالثة وفي غفلة منهم فقد تركت أمامهم كتيباً صغيراً لا تتجاوز عدد صفحاته 100 صفحة بعد أن مهدت لهم وزينت لهم القراءة بأن قمت بإرسال مجلات هادفة لهم ليقرؤوها فتسابق الإخوة إلى قراءة ذلك الكتيب الصغير ، واتبعت ذلك بالليلة الأخرى بأربعة كتب مختلفة الأفكار والتوجهات ( وهي بالطبع كتب مختارة تتوائم مع معتقداتنا وقيمنا ) فتسابقوا إليها والتهموها ، وهكذا إلى أن انقضت ثلاثون ليلة ، فجلست معهم أسمع رأيهم ، فقال أكبرهم : لقد حرمني التلفاز من فوائد كثيرة كنت غافلاً عنها ، فتلك الساعات التي كنت أقضيها أمام أي تلفاز ذهبت ولم يبق لها أثر ، فلقد وجدت أن في الكتاب حكماً ومواعظ وأفكار وتجارب هي الآن راسخة في ذهني ، وستظل إلى أبد الدهر محفورة فيه . أما أوسطهم فقال : لقد حفظت جزءاً كبيراً من كتاب الله وبضعة أحاديث نبوية ، ولو كنت أشاهد التلفاز ما حفظت شيئاً ، وقالت الصغرى : يا أبي بعد كل تمثيلية عربية أو محلية أسأل نفسي سؤالاً واحداً ، وهو : ماذا استفدت ؟ وأحاول أن أجد انطباعاً عنها ( أي التمثيليات العربية والأجنبية ) في عقلي فلا أجد إلا سراباً في سراب . وهكذا نجحت التجربة وأصبح عدد الكتب يفوق عدد أشرطة الفيديو التي كانوا يشترونها من المحلات ، بل أصبحت الساعات التي يقضونها في غرفهم وهم يطالعون الكتب أكثر من جلوسهم بصالة البيت يشاهدون التلفاز ، وفوق هذا كله وهو الأهم أني أصبحت أجلس في المنزل مع رجال عقولهم أكبر من أجسامهم ، فلقد تغير أسلوبهم في الحديث ونظرتهم وتشخيصهم للأمور وحتى طريقة تناولهم للمواضيع أصبحت مختلفة ، لهذا فقد أصبح الجلوس معهم لا يمل ، أما حديثهم فهو عذب وجميل . فهذه هي تجربتي مع أولادي ، أرجو أن تصل لجميع أولياء الأمور ، وأقول لهم إن استهوتكم الفكرة فطبقوها فلن تخسروا شيئاً ، بل على العكس فقد تكون الاستفادة هي على الأقل تخفيض ساعات إدمان ذلك الجهاز ، إما إن أقبلوا على القراءة ونجحت التجربة وهي الفائدة كلها ، فقد حصلو عليها .
تجربة : محمد بخيت
المصدر : جريدة الفرقان - العدد 136 – الاثنين 24 ذو الحجة 1421هـ.
|